النيويورك تايمز: بنك في بيروت مركز التمويل لدى حزب الله

نسخة للطباعةنسخة للطباعة

اتهمت إدارة الرئيس أوباما في شباط الماضي، أحد المصارف الشهيرة بسريتها في لبنان بتبييض الأموال لمصلحة شبكة دولية لتجارة الكوكايين ترتبط ارتباطا وثيقا بجماعة "حزب الله" الشيعية.

حاليا، وفي أعقاب التشهير بالمصرف وإنجاز عملية بيعه، كشفت أرصدة المصرف الجارية عن أسرار أكثر عمقا: نبذة عن نشاطات سرية لـ"حزب الله" - منظمة إرهابية في نظر أميركا، تصاعدت سيطرتها على السلطة العسكرية والسياسية بشكل بارز في لبنان - يستخدمها لتمويل عملياته. تقدم السجلات أدلة على وجود شبكة تبييض أموال عالمية معقدة، تتخذ المصرف المذكور مركزا لها، وتسمح لـ"حزب الله" بنقل مبالغ ضخمة من الأموال من خلال النظام المالي القانوني، رغم العقوبات الهادفة إلى قطع شريان حياته الاقتصادية.

في الوقت نفسه، يلقي التحقيق الذي قاد الولايات المتحدة إلى مصرف "البنك اللبناني – الكندي" الضوء على معلومات جديدة عن المصادر المالية الغامضة لـ"حزب الله". بينما اعتبرت وكالات عالمية في إنفاذ القانون لفترة طويلة أن "حزب الله" هو مستفيد سلبي من تبرعات يؤمنها موالون له في الخارج متورطون في تجارة المخدرات وفي مجموعة مؤسسات إجرامية أخرى، تشير استخبارات بلدان عدة إلى المشاركة المباشرة لمسؤولين رفيعي المستوى في "حزب الله" في تجارة الكوكايين في أميركا الجنوبية.

وشبّه أحد المشاركين في التحقيق "حزب الله" بالمافيا، قائلاً: "إنهم يعملون مثلما تعمل عائلة غامبينو الإجرامية".

وجّه المدعون العامون في فيرجينيا يوم الثلثاء، إلى الرجل الرئيسي في قضية البنك "اللبناني – الكندي"، تهمة الاتجار بالمخدرات وتبييض الأموال ليس فقط لمصلحة عصابات كولومبية، بل أيضا لمصلحة العصابة المكسيكية المجرمة "لوس زيتاس".

تعكس الوقائع بشأن "حزب الله" والبنك "اللبناني – الكندي" التغيير في الديناميات السياسية والعسكرية في لبنان والشرق الأوسط. يعتقد محللو الاستخبارات الأميركية أن "حزب الله" تلقى لسنوات عديدة ما يصل إلى 200 مليون دولار سنوياً من راعيهالأول، إيران، بالإضافة إلى مساعدات من سوريا. لكن هذا الدعم تضاءل، كما يقول المحللون، مع العقوبات الدولية المفروضة على الاقتصاد الإيراني بسبب برنامجها النووي ومعارك الحكومة السورية في مواجهة الاضطرابات الشعبية.

مع ذلك، فإن الاحتياجات المالية لـ"حزب الله" قد نمت جنبا إلى جنب مع شرعيته المتزايدة، مع مسعاه لإعادة بناءها بعد حربه مع إسرائيل عام 2006 وتوسيع استثماراته السياسية وأنشطة الخدمة الاجتماعية. يعتقد المحللون، أن نتيجة هذا التوسّع قادته نحو تعميق الاعتماد على المؤسسات الإجرامية – ولا سيما تجارة الكوكايين في أميركا الجنوبية – وعلى آلية التحريك النقدي غير الشرعي في جميع أنحاء العالم.

"إن قدرة الجماعات الإرهابية مثل "حزب الله" على الاستفادة من تيارات التمويل الإجرامية في جميع أنحاء العالم هو التحدي الجديد التالي لعملية الحادي عشر من أيلول،" يقول ديريك مالتز، مسؤول "إدارة مكافحة المخدرات" الذي أشرف على تحقيق الوكالة في البنك "اللبناني – الكندي".

في هذا التحقيق، يقول مسؤولو "وزارة الخزانة الأميركية"، إن كبار مديري البنك ساعدوا مجموعة من أصحاب الحسابات في تشغيل نظام تبييض أموال المخدرات عن طريق مزجها مع عائدات سيارات مستعملة تم شراؤها في الولايات المتحدة، وبيعها في أفريقيا. قسم من أرباح هذه العمليات ذهب إلى "حزب الله" المرتبط بهذه المنظمة.

رفض المسؤولون الكشف عن أدلة يمتلكونها تثبت هذا الادعاء. لكن الخطوط العريضة لشبكة تبييض أموال أوسع، والدرجة التي غمرت بها أعمال "حزب الله" عمليات المصرف، ظهرت في الأشهر الأخيرة حين كانت تجري عملية بيع أصول البنك النظيفة، بمباركة أميركية، إلى شريك للعملاق المصرفي الفرنسي SociétéGénérale، ومقره في بيروت.

بطبيعة الحال، إن عملية تبييض الأموال لم تظهر ولم تنكشف ببساطة وسهولة. لكن مراجعي الحسابات الذين تم إحضارهم للتدقيق في دفاتر الحسابات اكتشفوا ما يقارب الـ 200 حساب حامت حولها الشبهات لصلتها بـ"حزب الله" ومعاييرها الكلاسيكية في تبييض الأموال.

في المحصلة النهائية، مئات الملايين من الدولارات في السنة تدفقت عبر حسابات، تعود بشكل رئيسي لرجال أعمال مسلمين شيعة في دول غرب أفريقيا يتعاطون تجارة المخدرات، عدد كبير منهم يناصر "حزب الله"، ويتداولون في كل شيء بدءاً من الماس ومساحيق التجميل إلى الدجاج المجمد، وفقا لأشخاص على إطلاع بهذه المسألة في الولايات المتحدة وأوروبا. تستخدم هذه الشركات كواجهات لـ"حزب الله" لنقل جميع أنواع الأموال المشكوك فيها، لحسابه الخاص أو لآخرين.

يتيح النظام المصرفي لـ"حزب الله" إخفاء ليس فقط مصادر ثروته، بل أيضا مشاركته في مجموعة من المؤسسات التجارية. قد تكون إحداها اتفاقية شراء قطعة أرض الأغلى ثمنا في تاريخ لبنان، والتي تنطوي على عملية شراء بقيمة 240 مليون دولار جرت في أواخر العام الماضي لقطعة أرض تتجاوز مساحتها 740 فدانا، تطل على البحر الأبيض المتوسط في منطقة الشوف المتنوعة دينياً.

كان البائع صائغا مسيحيا من الطبقة الغنية يدعى روبير معوض، والذي تمتد سلسلة زبائنه من المملكة العربية السعودية إلى مملكة هوليوود. أما المشتري، أوعلى الأقل من وقع الاتفاقية، فكان تاجر الماس شيعي يدعى أحمد سعيد أحمد.

في الواقع، ووفقا لخبراء في الميدان العقاري في بيروت، فإن المستثمر الرئيسي لشركة التنمية كان أحد أقارب القائد السابق في "حزب الله"، علي تاج الدين. المستثمر، بدوره، تلقى الأموال التي تدفقت عبر البنك من شركات كانت الولايات المتحدة قد صنفتها كواجهات لـ"حزب الله"، ومن تجار متورطين في الصفقة في ما يشبه نزاع الماس والمعادن، بحسب أميركيين وأوروبيين على اطلاع بهذه المسألة. قدم البنك اللبناني الكندي قرضا هاما.

شكلت الصفقة نموذجا مناسبا مثيرا للجدل في هذه الأراضي القابلة للاحتراق على الصعيد الديني، حيث كانت كيانات مرتبطة بـ"حزب الله" تقوم بشراء أراض تشكل نقاطا عسكرية استراتيجية في مناطق ذات طابع مسيحي إلى حد كبير، مساعدة الحزب على تحصين هيمنته الجغرافية - السياسية بهدوء. 

في مقابلة أجريت معه أخيراً في منزله في الطيبة، على الحدود الشمالية مع إسرائيل – أو كما تشيراللافتات هنا، "فلسطين" – نفى القائد السياسي الاستراتيجي في "حزب الله"، والنائب في مجلس النواب ، علي فياض، أن تكون منظمته وراء صفقة شراء الأرض في الشوف أو أي صفقات شراء أراض أخرى مماثلة. كما نفى المزاعم الأميركية التي تتحدث عن تهريب المخدرات وأفاد بأنها ذات دوافع سياسية، "دعائية"، مضيفا: "ليست لدينا ليست أي علاقة بالبنك اللبناني - الكندي. كانت الولايات المتحدة، ببساطة، تضطهد الأبرياء من رجال الأعمال الشيعة كوسيلة "لمعاقبتنا لأننا كسبنا معركتنا مع إسرائيل".

بالنسبة للولايات المتحدة، كان إقفال المصرف جزءا من استراتيجية طويلة الأمد لنشر أسلحة مالية لمكافحة الإرهاب. هذا الحساب الأفعواني، والأعوام الستة من التحقيق، وما تم الكشف عنه منذ ذلك الحين يستند إلى مقابلات مع الحكومة، ومع مسؤولي أجهزة إنفاذ القانون والأجهزة المصرفية عبر ثلاث قارات، وكذلك تقارير الاستخبارات والشرطة وسجلات الشركة.

بينما كانت القضية تواصل مسيرتها نحو سلسلة القيادة في الإدارة ابتداء من خريف عام 2010، اقترح بعض المسؤولين عدم الكشف عن تورط "حزب الله". وقالوا إن مجرد وضع المصرف على القائمة السوداء سوف يؤدي إلى وقف أعمال الشبكة بينما يبعد شبهة الدخول في لعبة سياسية عن الولايات المتحدة، لا سيما وسط إنذار أميركي بشأن انحسار نفوذها في الشرق الأوسط. لكن ساد الرأي بأن القضية قدمت "فرصة عظيمة لتشويه صورة حزب الله" بالإشارة إلى خبثه في ممارسته النشاطات الإجرامية.

بالتأكيد لدى الولايات المتحدة سبب كاف لرغبتها بتشويه صورة "حزب الله"، الوكيل العسكري لإيران والمهدد المستمرللمصالح الأميركية في منطقة يخيم عليها اضطراب مزمن. (في الأسبوع الماضي، في الواقع، اشتد الخلاف المتواصل على مر السنوات بين "حزب الله" ووكالة الاستخبارات المركزية عندما بث الحزب ما قال إنها أسماء 10 عملاء مخابرات أميركيين عملوا في السنوات الأخيرة في السفارة في بيروت).

حان الوقت، أيضا، للتهجم على "حزب الله" – إنها لحظة تبلور صعوده ولكن أيضا ضعفه. قبل بضعة أسابيع، لعب الجناح السياسي لـ"حزب الله" دور الآمر الناهي، مهندسا سقوط رئيس الوزراء سعد الحريري، حليف أميركا، ومثبتا اختياره الخاص بديلا له. في الوقت نفسه، كانت المحكمة التابعة للأمم المتحدة تتحضر لاتهام أعضاء من "حزب الله" في التفجير الضخم الذي أودى بحياة والد السيد الحريري، رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري في العام 2005.

استعاد جون أ. برينان، مستشار رئيس مكافحة الإرهاب، النقاش خلال مقابلة أجريت معه اخيرا، إذ قال: "أعتقد أنه إن كان "حزب الله" متورطا في تجارة المخدرات، دعونا نحرص على كشف ذلك".

دولة داخل دولة

بتأسيسه منذ ثلاثة عقود كقوة عسكرية تستهدف الاحتلال الإسرائيلي في جنوب لبنان، لم يكن لـ"حزب الله" من قبل مطلقا أي مكانة بارزة في السياسة الرسمية للبلاد. مع ذلك، إن الكثير من قوته وقدرته على العمل مع بعض الإمكانية على الإفلات من العقاب، يستمد من أماكن أخرى: من وضعه كدولة داخل الدولة اللبنانية.

إن ميليشياته أقوى بكثير من الجيش الوطني. تؤدي مكاتبه المخصصة للخدمة الاجتماعية العديد من مهام الحكومة، كما إنه يسيطرعلى المطار الدولي وطرق التهريب على طول الحدود السورية، فضلا عن موازنات الوزارات المكلف حفظ أمنها.

في مقابلة أجريت معه، وصف رئيس المكتب اللبناني لمكافحة المخدرات ووحدة تبييض الأموال، العقيد جوزيف أ. سكاف، مهمته بالمستعصية: "يسمح للركاب بإحضار كميات غير محدودة من المال دون الإعلان عنها. لديه فقط 12 ضابطا للبحث عن المخدرات، والماسحات الضوئية في المطار والميناء لا تعمل. وقال: "إن يديّ مكبلتان".

هذا النموذج من بلد يفترض به أن يكون ملتقى لكل أنواع التجارة يدين بالكثير إلى ازدهار الشتات في جميع أنحاء العالم؛ فعدد اللبنانيين الذين يعيشون في الخارج أكبر بكثير مما في الداخل. من خلال العناصر الإجرامية داخل هذه الجاليات، كسب "حزب الله" موطئ قدم في تجارة الكوكايين المتفاقمة، وفقا لتقييم أجراه مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة الموصوفة في العام 2009.

بالنسبة لتجارة المخدرات، كان المغتربون في الأماكن المناسبة في الوقت المناسب. بازدياد الطلب في أوروبا والشرق الأوسط، بدأت الاتحادات تنطلق عبر طرق جديدة – من كولومبيا وفنزويلا والحدود الخارجة عن القانون، حيث تلتقي الأرجنتين والباراغواي والبرازيل، إلى بلدان غرب أفريقيا مثل بنين وغامبيا. ومن هناك انتقلت المخدرات شمالا عن طريق البرتغال أو إسبانيا أو شرقا عبر سوريا ولبنان.

وفقا لرئيس مكتب مكافحة المخدرات في لبنان العقيد عادل ماشموشي، كان هناك مسار واحد إلى داخل البلاد عبر رحلة أسبوعية للطيران الإيراني من فنزويلا إلى دمشق، ومن ثم عبر الحدود. العديد من المسؤولين الأميركيين أكدوا أن عملية من هذا القبيل ستكون مستحيلة من دون مشاركة "حزب الله".

في أميركا الجنوبية وفي أوروبا، لاحظ المدعون العامون أن وسطاء لبنانيين شيعة بدأوا بالعمل لدى الاتحادات. لكن الدليل الأقوى لاتساع دور "حزب الله" في تجارة المخدرات، لم يكن التلقي السلبي للمال الملوث فقط، بل يأتي من التحقيقين اللذين أديا في نهاية المطاف إلى البنك "اللبناني – الكندي".

بدأت المسيرة مع رجل يعرف باسم طالبان، تم سماعه عبر شريط تنصت كولومبي لاتحاد تجارة المخدرات في مدينة ميديين، يدعى "لاأوفيسينا دي أنفيداغو"". في الواقع، كان طعما لبنانيا تم زرعه واسمه شكري محمود حرب، وفي حزيران/يونيه 2007، التقى عميلا سريا في إدارة مكافحة المخدرات في بوغوتا، ورسم له المخطط.

تم شحن الكوكايين بحرا إلى "ميناء العقبة"، في الأردن، ثم تم تهريبها إلى سوريا. بعد أن تفاخر حرب أن بإمكانه توصيل 950 كيلوغرام إلى لبنان في غضون ساعات، قدّر العميل السري عرضا أنه لابد أن يكون لديه اتصالات مع "حزب الله". ابتسم حرب وأومأ برأسه، فأرسل العميل السري تقريره.

(صرّح المسؤولون الأردنيون في وقت لاحق، بعد مراقبة واسعة النطاق أن المحطة السورية من الشحن تم تنسيقها من قبل ضابط مخابرات سورية يعملكضابط اتصال مع "حزب الله". من هناك أفادت مصادر متعددة، أن نشطاء "حزب الله" فرضوا ضرائب لضمان تمرير الشحنة إلى لبنان.)

بعد فترة قصيرة كان الاتحاد يسلم المال للمبيّض: ما مجموعه 20 مليون دولار. لكن قبل أن يتمكن السيد حرب من كشف كامل المخطط ويعرف عن الأعضاء في "حزب الله" الذين تواصل معهم، تم إجهاض العملية: أرغمت وكالة الاستخبارات الأميركية، التي لديها شكوك منذ البداية بتورط "حزب الله" في القضية، وعشية الاجتماع المخطط له في الأردن مع العميل السري على التأجيل. الطريدة ارتعبت. في النهاية، تمت إدانة السيد حرب بتهمة تهريب المخدرات وتبييض الأموال، لكن النافذة إلى قلب المنظمة تم إقفاله بقوة.

كان الأمر يشبه "فتاة تحبها قطعت علاقتها بك"، قال أحد العملاء في وقت لاحق، مضيفاً، "لقد فقدنا كل شيء".

هدف جديد

في الواقع لم يفقدوا كل شيء. قبل مضي وقت طويل، ظهر هدف جديد.

تم رصد مكالمة هاتفية عبر التنصت على هاتف يربط بين السيد حرب والاتحاد. كان المتصل قد رتّب إجراءات استلام كمية من الكوكايين في فندق باريس وإعادة تبييضها إلى كولومبيا. تبيّن أن الموعد خدعة.

لقد قال: "لقد فقدت مليون يورو في فرنسا"، أشار أحد العملاء الذين كان يتم التنصت عليهم، "الطريقة التي تحدث بها – لا أحد يفقد مليون يورو ويتصرف بطريقة غير مبالية. عادة تمتلئ الشوارع بالجثث".

كان العملاء يعرفون أن هناك مبيّض أموال رئيسي لديه هاتف مركزه في لبنان.الآن لديهم اسم: أيمن جمعه، عضو سابق في اتحاد ميديلين، يمتلك الآن فندق سيزارس بارك في بيروت. إنه مسلم سني، ولكن الهواتف الخليوية التي ضبطت في فندق باريس ربطته بعناصر موجودة في معاقل "حزب الله" في جنوب لبنان، وفقا لسجلات الإنتربول.

كان معروفا أيضا من قبل أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية. أظهرت اجهزة اعتراض المكالمات الإسرائيلية أن لديه اتصال بأحد أعضاء حزب الله "وحدة 1,800" المزعومة لتنسيق الهجمات داخل إسرائيل. بدوره، فإن الشخص الذي يتواصل معه جمعه، يعمل لناشط كبير يعتقد الإسرائيليون أنه مسؤول عن عمليات تجارة المخدرات في "حزب الله".

إنه يدعى أبو عبد الله، ولقد برز اسمه في التسجيلات الهاتفية لحرب أيضا:عند نقطة معينة، بينما كان السيد حرب يتذمر من "أبناء العاهرات الذين أدين لهم بالمال"، حذره أحد أقربائه من مسقط رأسه من أن "جماعة أبو عبد الله، الأشخاص الذين لا نجرؤ على القتال معهم،" كانوا يبحثون عنه، ويريدون مالا.

في نهاية المطاف أوعزالفريق الأميركي للتدقيق في أنشطة السيد جمعة العلنية المتعلقة بعمليات بيع السيارات المستعملة. كانت السيارات التي يتم شراؤها من الولايات المتحدة الأميركية تباع في أفريقيا، ويتم تحويل العائدات النقدية جوا إلى بيروت، ويتم إيداعها في ثلاثة مكاتب لبيع الصرف، أحدها تمتلكه أسرة السيد جمعة وآخر في أسفل شارع الفندق الذي يقيم فيه. بعد ذلك، تودع مكاتب الصرف المال، وتتابع تجارة السيارات المزدهرة الوهمية عائداتها إلى البنك "اللبناني – الكندي"، الذي أطلق عليه هذا الاسم لأنه كان سابقا فرعا "لرويال بنك أوف كندا" - فرع الشرق الأوسط.

لكن عملية إضافة الأرقام لم تتم. فمخازن السيارات الموجودة في الولايات المتحدة، والتي يمتلك أغلبيتها مغتربون لبنانيون ويرتبط أحدها بمخطط منفصل لتهريب أسلحة "حزب الله"، لا تقوم بما يكفي من عمليات تجارية لتغطي كل ذلك الحساب النقدي، بحسب مسؤولين أميركيين. ما كان يجري في الواقع، هو أنه كان يتم مزج عائدات المخدرات الأوروبية مع الأموال النقدية التي تنتج عن بيع السيارات بحيث تبدو شرعية.

كان "حزب الله" يتلقى حصته إما من مكاتب الصرف، أو عن طريق البنك نفسه، وفقا لما ذكره المدّعي العام وخلصت وزارة الخزانة إلى أن إيران تستخدم أيضا البنك لتجنب العقوبات، مع مبعوث لـ"حزب الله" إلى طهران يستخدم كوسيط.

في واشنطن، وبعد نقاش طويل حول موعد التحرك وما سيتم الإعلان عنه، قررت الإدارة اعتماد حكما قانونيا نادرا ما يستخدم من "قانون باتريوت". طالما تبيّن أن المصرف هو"مؤسسة أساسية لتبييض الأموال"، يمكن لوزارة الخزانة أن تحوله إلى مصرف منبوذ دوليا وتمنع المؤسسات المالية الأميركية من التعامل معه. وبعد إطلاع الرئيس أوباما على الموضوع، ضغط المسؤولون في وزارة الخزانة على الزناد في 10 شباط.

أما بالنسبة للسيد جمعة، تجاوزت لائحة الاتهام المعلنة يوم الثلثاء العملية الأوروبية المبينة في قضية البنك "اللبناني – الكندي". فقد وجهت إليه تهمة تنسيق شحنات الكوكايين الكولومبي إلى "لوس زيتاس" في المكسيك لبيعها في الولايات المتحدة، وتبييض عائداتها.

إن مسألة تقديمه للمحاكمة هي مسألة مفتوحة. فالولايات المتحدة لم توقع معاهدة تسليم المتهمين مع لبنان، وأماكن وجود السيد الجمعة غير معروفة. فهولميجب علىأي من الرسائل التي بعثتها صحيفة نيويورك تايمز إلى الفندق الذي كان يقيم فيه. أما في بيروت فالشائعات كثيرة.

تزايد الشكوك

حدد الأميركيون عددا قليلا من الحسابات الملوثة بالمخدرات في البنك "اللبناني –الكندي". بدأ البحث عن مزيد من المتاعب خلال فصل الصيف، بعد أن وافق مصرف SociétéGénérale du Liban ، أو S.G.B.L.، على شراء أصول البنك كجزء من اتفاق عقده مع مسؤولي الخزانة، وضع مصرف لبنان المركزي خطة لتنفيذ عملية تدقيق في السجلات. لكن كانت لدى الشركاء الفرنسيين في الـ S.G.B.L.، Société Générale، شكوك حول اختيار البنك المركزي للمحققين، إذ كان هناك من بينهم أحد الأشخاص، سبق له أن عمل في الفرع المحلي لشركة مراجعة الحسابات الدولية "ديلويت"، قد أغفل الحسابات المتعلقة بالمخدرات في المرة الأولى، حين كان يعمل مراجع اللحسابات الخارجية في البنك "اللبناني - الكندي".

ووفقا للخبراء في الشؤون المصرفية اللبنانية، فقد تم تعيين ممثل البنك المركزي في هذا المنصب بناء على توصية من "حزب الله".

كخطوة إضافية، ولطمأنة المصارف الدولية، كلف رئيس S.G.B.L.، أنطون صحناوي، إجراء مراجعة حسابات موازية، بمساعدة الرئيس العام لقسم مراقبة الامتثال في Société Générale. وللتأكد من أن مصرفه لن يتعارض مع مسؤولي الخزانة عن غير قصد بمسألة الأصول الملوثة، وظف خبيرا استشاريا على دراية وثيقة بحكم "قانون باتريوت" المستخدم لإقفال المصرف: جون أشكروفت، المدعي العام السابق في وزارة العدل الذي كتب القانون.

إن تحديد الحسابات المشبوهة ليس عملا غير موضوعي. فالمصارف تعتمد على المعايير المعترف بها دوليا، والبرامج التي تحتوي على بعض أدوات التحكم فيما يتعلق بأصول البنك "اللبناني – الكندي"، فقد سارت العملية بهذه الطريقة، وفقا لخبرة الاميركيين والأوروبيين بالقضية.

في البداية، دقق مراجعو الحسابات في سجلات العام الماضي فقط. وبينما بدأوا في عملية الدمج من خلال آلاف حسابات، بحثوا عن عملاء لديهم ارتباطات معروفة مع "حزب الله". بحثوا أيضا عن نماذج منبهة: ودائع متكررة لكميات ضخمة من الأموال وتحويلات برقية ضخمة مقسمة إلى معاملات أصغر وتحويلات بين شركات في أسطر تجارية همجية يتم استخدامها فقط كواجهات لتمويه المنشأ الحقيقي للأموال.

تم إسناد لكل نوع من العلم الأحمر قيمة نقطية. كل حساب لديه نقطة أو نقطتين على مقياس يصل إلى الرقم 10 من المرجح أن يكون حسابا سليما. كل حساب لديه 8 أو تسع نقاط يحتاج لمزيد من التدقيق. في نهاية المطاف، بقي لدى مراجعي الحسابات حوالي 200 حساب بدت ملائمة لربطها بعملية تبييض أموال عملاقة، و"حزب الله" غارق في وسطها، وفقا للمسؤولين الأميركيين. شبكات معقدة من المعاملات أظهرت الشركات نفسها مرارا وتكرارا، يمتلك معظمها رجال أعمال شيعة، يعرف بأنهم من أنصار "حزب الله". وتم تحديد بعضهم كواجهات "حزب الله".

في وسط هذه الشبكات المتعددة هناك شركات تتعاطى تجارة الماس، والتي يقول الخبراء إنها سريعة الاستبدال ومركبات تقليدية لتبييض الأموال لأنها سهلة النقل وعموما تتم المتاجرة بها نقدا. العديد من المعاملات الكبيرة تتم من دون أوراق ثبوتية، ويمكن تغيير القيم من خلال صفقات وهمية. عدد كبير من هؤلاء التجار تورطوا في شراء "الماس النزاعات" وغيرها من المعادن لاستخدامها في تمويل الحروب الأهلية وانتهاكات حقوق الإنسان في أفريقيا.

في بعض الحالات، تم نقل الأموال بكميات – عشرات الملايين من الدولارات في قصاصة – هذا ما جعلها غير مفهومة، إذ أظهرت نماذج لأعمال ومبيعات محتملة للشركات المعنية.

"بدا الأمر وكأن هؤلاء الأشخاص الذين لم يسمع بهم أحد قد أصبحوا من أكبر الأغنياء الناجحين بين ليلة وضحاها" هذا ما قاله أحد الأشخاص الذين على دراية بالتحقيق، "إنها أموال حزب الله".

ختم السيد صحناوي الصفقة في أيلول/سبتمبر. ورفض مناقشة التفاصيل، لكنه قال: "نحن اشترينا بعض أصول البنك "اللبناني – الكندي"، الأصول النظيفة فقط. لم نأخذ أي عميل مشكوك فيه ولو قليلا. 

محامون في مكتب السيد أشكروفت أفادوا بأن جميع الحسابات التي تشكل إشكالية تم استئصالها، حتى ولو كان هذا يعني فقدان ما يقارب الـ 30 مليون دولار في السنة من الفوائد والرسوم. "بما أنه الكشف عن المشاكل الحالية والمحتملة، لم يتردد أبدا في اتخاذ القرار"، قال السيد أشكروفت عن موكله.

من وجهة نظر وزارة الخزانة، تم اعتبار القضية انتصارا، ولو كان تدريجيا، في المعركة ضد تمويل الإرهاب. أظهر مصرف لبنان المركزي أنه على استعداد لإقفال البنك "اللبناني - الكندي" وبيعه إلى "مالك مسؤول"، قال دانيال ل. غليزر، مساعد وزير الخزانة لتمويل الإرهاب. ولقد تم حظر موردا هاما لـ"حزب الله".

رغم ذلك، لا يتوهم المسؤولون في وزارة الخزانة أن عملهم هنا قد انتهى. منذ البداية، كان الهدف من القائمة السوداء أن تكون تحذيرا ذات نطاق أوسع للصناعة المصرفية التي، وبمنافستها للسرية المصرفية السويسرية، تشكل العمود الفقري للاقتصاد اللبناني: من الآن فصاعدا، تأخذ المصارف على عاتقها مخاطر التعامل مع "حزب الله". 

"الأمر الذي لم يثبته البنك المركزي تماما، والذي لم تعرفه هيئة المحلفين، هو أن ما إذا كانوا سيستخدمون هذا كقاعدة انطلاق لضمان أن لا يتم ترحيل هذه الجهات الفاعلة غير المشروعة إلى أماكن أخرى"، قال السيد غليزر.

الإشارات ليست مشجعة كثيرا. فقد أجاب حاكم البنك المركزي، رياض سلامة، باقتضاب حين تم سؤاله عن آثار الإجراءات الأميركية، واصفاً إياها بأنها "قصة قديمة". أما فيما يتعلق بتلك الحسابات المشتبه بها والتي تناهز الـ 200 حساب، اكتفى السيد سلامة بالقول إنه لا يقحم نفسه في مثل هذه المسائل التجارية.

قلل سلامه من أهمية نتائج وزارة الخزانة، وعزا الكثير من النشاط المشبوه لخصوصيات في الطريقة التي تتم الأعمال التجارية في أفريقيا. فقد قال للأميركيين إن تلك الحسابات التي يراها إشكالية، قد تمت إحالتها إلى المدعي العام في لبنان. ولكن المدعي العام رفض التعليق على الموضوع، أما نائبه، الذي يهتم بالتحقيقات المتعلقة بتبييض الأموال، فقد قال الأسبوع الماضي إنه لم يتلق أي شيء.

في الواقع، وكما يعترف المسؤولون في وزارة الخزانة، وتحت أنظار السيد سلامة، تم ببساطة نقل معظم الحسابات إلى عدة مصارف لبنانية أخرى.

المصدر: نيو يورك تايمز

ترجمة:

Sophie Chammas

English / Arabic-French / Arabic

Freelance Translator-Lebanon

Telefax: 00961 4 419561 - Mobile: 00961 3 292173