لبنان

أفول الهلال الشيعي

جمال خاشقجي

إنه أفول الهلال الشيعي وليس الشيعة ولا حتى إيران الذين سيبقون نسيجاً متداخلاً مع آخر ليرسم لوحة عالمنا الإسلامي الممتد بتنوع مذاهبه وحضاراته، إسلام ممتد من جاكرتا إلى كازابلانكا. بل يعود التسامح، وتنتعش مدارس الاجتهاد في الحوزات، وتعود إيران جارة وشريكاً، منشغلة باقتصادها وصناعاتها، تبحث عن أسواق مفتوحة لا خلايا سرية، إنه أفول مشروع ولاية الفقيه التوسعي، المعاند للتاريخ والجغرافيا والذي بات خارج الوقت في زمن «الربيع العربي».. هل هذا ممكن؟ نعم فالتاريخ يكمل دورته اليوم. 

 
لقد بدأت الحرب التي طالما تحدث عنها العالم وتوقعها بين الغرب وإيران، من غير إعلان صاخب وصواريخ وطائرات، بدعم ومشاركة بشكل أو بآخر من دول المنطقة. المهم أن تبقى إسرائيل بعيدة حتى لا تخرب المشروع الكفيل بتغيير وإراحة المنطقة وكذلك الشعب الإيراني وعموم الشيعة.

نصر الله.. اللهم لا شماتة!

تخيلوا إلى أي حال وصل الأمر بزعيم حزب الله حسن نصر الله في لبنان! فقد انتهى نصر الله إلى أن الحكومة المحسوبة عليه، أو قل حكومته، هي التي تمول المحكمة المعنية بالتحقيق مع رجاله المتهمين باغتيال الراحل رفيق الحريري، فهل هذه براغماتية سياسية، أم أن نصر الله أوتي الحكمة فجأة؟!
 
بالطبع فإن الأمر لا هذا ولا ذاك، بل إن نصر الله قبِل مرغما، ومهما قال، وبرر، حيث لم يعتكف وزراؤه، ولم يسقط الحكومة إلى الآن. وقد يكون قبول بن نصر الله من باب المغلوب على أمره، ليس إلا، فقبول حكومة حزب الله في لبنان دفع تكاليف محكمة الحريري المعنية بالتحقيق مع رجال نصر الله نفسه، أي رجال إيران، يعني أمرا من عدة أمور، فإما لأن النظام الأسدي قد ضغط على حزب الله لقبول ذلك، حيث إن النظام الأسدي لا يقبل بأي حال من الأحوال اليوم سقوط الحكومة الوحيدة التي تقوم بمساعدته، وسقوطها يعني أن الأسد سيكون محاصرا اقتصاديا تماما، ولن يكون بوسعه، أي الأسد، الضغط مستقبلا لتشكيل حكومة مثل الحالية في لبنان، فربما يسقط نظام الأسد قبل أن ينتهي التفاوض على تشكيل حكومة لبنانية توفر له، أي النظام الأسدي، ما يحتاج إليه الآن، وليس اليوم أو غدا.
 
والتفسير الآخر لقبول حزب الله بتمويل محكمة الحريري هو خشية الحزب، والذي شن هجوما عنيفا على ميقاتي من قبل، ونفس الأمر فعله حلفاء حزب الله بلبنان، أن يخلف ميقاتي في الحكومة القادمة رئيس وزراء لبناني صلب مثل فؤاد السنيورة، على خلفية ما يحدث بسوريا، وهذا يعني حشر حزب الله في «كورنر»، بل إن الأسوأ من كل ذلك بالنسبة لحزب الله، وهذا متوقع بالطبع، أن يضطر حسن نصر الله إلى طلب ودّ سعد الحريري من أجل أن يقوم بتشكيل الحكومة، ليلعب سعد دور والده بحفظ ماء وجه الحزب كما فعل الحريري الأب مرارا، قبل أن يُغدر، وهذه ستكون قاسية على بن نصر الله، فالظروف تغيرت بالمنطقة، وتحديدا بسوريا، وهنا مربط الفرس، فتخوف بن نصر الله أصبح من حيث يأمن، أي دمشق، حيث استيقظ المارد هناك.
 
وهنا قد يقول قائل بأن دولة الرئيس ميقاتي قد لعب لعبة حافة الهاوية مع حزب الله، وأراد أن يصطاد بحجر تمويل محكمة الحريري الدولية عدة عصافير، فإما أن تسقط الحكومة اللبنانية ويخرج ميقاتي منتصرا أمام ناخبيه، وسنة لبنان، وبالطبع العالم العربي، وإما أن يمول ميقاتي حقوق المحكمة، وتبقى الحكومة ويكون الرجل القوي، غير التابع لحزب الله، وكل المؤشرات تقول إن ما حدث، أي سداد حقوق محكمة الحريري، وخصوصا في حال استمرت الحكومة اللبنانية، لا يعني أن ميقاتي قد اصطاد عصافير بحجر المحكمة، ولسبب بسيط جدا، وهو أن السبب الرئيسي لصمت حزب الله على تمويل محكمة الحريري هو الحفاظ على أمر أكبر، وهو النظام الأسدي، والذي يمثل بقاؤه ضمانة لبقاء حزب الله.
 
لكن ما علينا التنبه له اليوم هو أن ألم تمويل محكمة الحريري على حزب الله اليوم، وتحديدا حسن نصر الله، يعد أقسى كثيرا من حجم الألم الذي شعر به سعد الحريري يوم ذهب إلى دمشق للقاء بشار الأسد بقصر تشرين، فيكفي نصر الله اليوم ألما وإحباطا أنه هو من بات يمول محكمة طالما وصفها بالصهيونية، وعملها محاكمة رجاله!
 
ولذا، فلا يملك المرء إلا أن يقول لحسن نصر الله: اللهم لا شماتة!
Subscribe to RSS - لبنان