الأسد: من البعث إلى العبث!

نسخة للطباعةنسخة للطباعة

ككرة الثلج المتدحرجة من قمم الجبال الباردة تزداد قوة وسرعة مع حراكها والجاذبية وقوة الدفع التي تقودها، هكذا هو حال الثورة السورية التي تأبى أن تتوقف قبل أن تحقق أهم أهدافها؛ وهو إسقاط النظام القائم بعد أكثر من أربعة عقود من الذل والقهر والفقر والحرمان والقمع والدم.

شهد الأسبوع الفائت مجموعة من المواقف الرسمية والمظاهر الإعلامية من النظام السوري تثبت أنه دخل مرحلة الهذيان السياسي والهلوسة التي تسبق حشرجة الموت وخروج الروح. إدانة عربية لنظام الأسد وتعليق عضويته في الجامعة العربية، ثم انطلاق أبواق النظام على لسان مندوبه بالجامعة وفريق لا حصر له يقوم بالشتم والسباب واللعن والتخوين لكافة الدول العربية التي أخذت الموقف الشريف الشجاع لمناصرة الشعب السوري الذي يذبح يوميا لثمانية أشهر متتالية بشكل وحشي دون رحمة.

لم يكتف النظام بذلك بل قام بالاعتداء على السفارات والقنصليات وإتلاف محتوياتها بشكل همجي ومخالف لكل الأعراف والمواثيق والأنظمة الدبلوماسية الدولية. وفي الوقت ذاته أصبح عدد المنشقين من جيش النظام السوري والمنضم إلى الثورة رقما نوعيا بات من الممكن قياسه بالمئات بشكل متواصل بعد أن كان يقاس بالعشرات وبشكل متقطع في المراحل السابقة. سيُدرس في يوم من الأيام كيف انهار نظام البعث الأسدي بالشكل الذي حصل، كيف انكسر جدار الخوف وتحطمت آلة الرعب، سيُدرس في يوم ما كيف روج النظام لسنوات طويلة أكذوبة أنه نظام علماني لا طائفي، بينما لغة الأرقام تفضح واقعا مخالفا تماما وهو حصر كل المناصب النافذة والمؤثرة بالطائفة العلوية وكذلك الأمر داخل المؤسسة العسكرية التي تحتل رتبه الرئيسية مجاميع منظمة مكدسة من الطائفة العلوية الحاكمة لا تتناسب أبدا مع نسبتهم من عدد سكان سوريا الإجمالي. بينما بقيت المناصب الأخرى شكلية وغير مؤثرة أبدا في حقيقة الأمر.

نظام كان يروج بلسان المقاومة والممانعة وهو الذي بقيت حدوده مع إسرائيل، التي تحتل هضبة الجولان السورية لأكثر من أربعة عقود، الأكثر هدوءا وأمنا دون أي إزعاج أو مشهد من مشاهد المقاومة والممانعة هذه. عقدة حماه تلك المدينة الباسلة التي دفعت من شبابها وأهلها فاتورة باهظة الأثمان عام 1982 تعود اليوم مع شقيقتها حمص وهما بنتا نهر العاصي الذي يمر كحبات وقطرات «القطر» فيهما فيسقي أبناءهما بروح الثورة المستمرة الاشتعال بلا توقف مجبرة معظم السوريين في مختلف أنحاء البلاد على الانضمام إليهما.

اليوم هناك حديث واضح الملامح في اتجاه واحد وهو تأسيس منطقة عازلة آمنة، الغاية منها توفير الأمان للمدنيين من بطش النظام القمعي القاتل وهي مسألة ستحدث عما قريب في منطقة بالقرب من مدينة حلب بالشمال السوري وعلى مقربة من الحدود التركية. زيادة قوة الجيش السوري الحر العددية وقيامه بتشكيل مجلس عسكري مؤقت يعني أنه أصبح معادلة حقيقية وصعبة على أرض الواقع ولا يمكن إنكاره أو الاستهزاء به كما حاول فعل ذلك أحد محللي النظام السوري، وقال معلقا: «إن عدد المنشقين من الجيش السوري يعادل نفس الرقم الذي ينشق سنويا».

هذه النوعية من الأكاذيب مثلها مثل أكذوبة أنه لا توجد ثورة أصلا في سوريا، أو الكذبة الأخرى أن سوريا ستقوم بعمل حظر جوي على كافة دول المتوسط. إنه مؤشر آخر على الإفلاس الهائل لنظام لم يتمكن من تقديم شيء لشعبه إلا الخوف والمعتقل عبر أربعين عاما من الوهم. سوريا أعظم من أن يحكمها «أب» انقلب على رفقائه الضباط ثم ورّثها «للابن» ويدخل على الخط الآن «العم» لركوب موجة الثورة لعله يطلع فيها بنصيب له. سوريا ذات يوم كانت بلدا ديمقراطيا بأحزاب وبرلمان وإعلام وحرية وعدالة قبل أن يأتي نظام أهوج باسم البعث، لم يكن في واقع الأمر سوى «عبث» بالكرامة والحريات والآمال والأمن.

سيُدرس في يوم من الأيام كيف استبد نظام الأسد بشعب أبي حر وسلبه الكرامة حتى خرج الآلاف من الشباب يطالبون بإسقاط النظام ويدعون أحرار العالم أن يناصروهم ويقفوا معهم. لم تحصل أن خرجت ثورة تطلب حرية وكرامة وعادت إلى دارها دون أن تحققهما. الساعة الرملية تتساقط منها آخر الذرات الرملية وبعدها سيحتفل العالم بتحرير سوريا وخلاصها من الكابوس ونهاية البعث والعبث!

حسين شبكشي

نقلا عن صحيفة "الشرق الاوسط"